أحمد زكي صفوت
391
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
رشيدا حميدا ، قد بلّغ الشرع ، ومحق الشّرك ، وأخمد نار الإفك ، فأحسن اللّه جزاءه ، وضاعف عليه نعمه وآلاءه « 1 » ، ثم إن اللّه سبحانه اختص محمدا عليه الصلاة والسلام بأصحاب أيّدوه ونصروه وكانوا كما قال اللّه سبحانه لهم : « أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ » فكان أفضلهم مرتبة ، وأعلاهم عند اللّه والمسلمين منزلة الخليفة الأول ، الذي جمع الكلمة ، ولمّ الدّعوة وقاتل أهل الرّدّة ، ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح ، ومصّر الأمصار ، وأذلّ رقاب المشركين ، ثم الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملّة ، وطبّق « 2 » الآفاق بالكلمة الحنيفيّة . فلما استوثق الإسلام وضرب بجرانه « 3 » ، عدوت عليه ، فبغيته الغوائل ، ونصبت له المكايد ، وضربت له بطن الأمر وظهره ، ودسست عليه وأغريت به ، وقعدت - حيث استنصرك - عن نصره ، وسألك أن تدركه قبل أن يمزّق فما أدركته ، وما يوم المسلمين منك بواحد ، لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه ، ورمت إفساد أمره ، وقعدت في بيتك ، واستغويت عصابة من الناس حتى تأخّروا عن بيعته ، ثم كرهت خلافة عمر وحسدته ، واستطلت مدته وسررت بقتله ، وأظهرت الشماتة بمصابه ، حتى إنك حاولت قتل ولده « 4 » لأنه قتل قاتل أبيه ، ثم لم تكن أشدّ منك
--> ( 1 ) الآلاء : النعم ، واحدها إلى كحمل وألو وإلى كشمس ، وإلى كفتى ، وإلى كرضا . ( 2 ) من طبق السحاب الجو : أي غشاه . ( 3 ) جران البعير : مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره ، ومعنى ضرب الإسلام بجرانه . أي استقام وقر في قراره كما أن البعير إذا برك واستراح مد جرانه على الأرض . ( 4 ) يعنى عبيد اللّه بن عمر ، وذلك أنه لما قتل أبو لؤلؤة فيروز المجوسي أباه عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه كما قدمنا ، قال عبد الرحمن بن أبي بكر غداة طعن عمر : مررت عشى أمس على أبى لؤلؤة ، ومعه الهرمزان وجفينة ( وجفينة رجل نصراني من العباد - بكسر العين - من أهل الحيرة أقدمه إلى المدينة سعد ابن أبي وقاص ليعلم بها الكتابة ) وهم نجى ( أي يتناجون ويتسارون ) فلما رهقتهم ( بكسر الهاء أي عشيتهم ) ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه ، فانظروا بأي شئ قتل ، فجئ بالخنجر الذي وصف ابن أبي بكر ، فسمع بذلك عبيد اللّه بن عمر فأمسك حتى مات عمر ، ثم اشتمل على السيف فقتل الهرمزان وجفينة وابن فيروز ، فنهاه الناس فلم ينته وكان يقول : واللّه لأقتلن رجالا ممن شرك في دم أبى - يعرض بالمهاجرين والأنصار - فأرسل إليه صهيب ( وكان عمر أوصى أن يصلى صهيب بالناس إلى -